عثمان بن جني ( ابن جني )

134

الخصائص

غنّة كالنون ، وهي أيضا تقرب من الياء حتى يجعلها بعضهم في اللفظ ياء ، فحملت اللام في هذا على النون ، كما حملت أيضا عليها في لعلّى ، ألا تراهم كيف كرهوا النون من لعلّنى مع اللام ، كما كرهوا النون في إنني ، وعلى ذلك قالوا : هذا بلو سفر ، وبلى سفر " 1 " ، فأبدلوا الواو ياء لضعف حجز اللام كما أبدلوها " في قنية " ياء ، لضعف حجز النون ، وكأن " قنية " - وهي عندنا من " قنوت " - ، و " بليا " أشبه من عذى " 2 " وصبيان ، لأنه لا غنّة في الذال والباء . ومثل " بلى " قولهم : فلان من علية الناس ، وناقة عليان " 3 " . فأمّا إبدال يونس هذه النون في الوقف ألفا وجمعه بين ألفين في اضرباا ، واضربناا ، فهو الضعيف المستكره الذي أباه أبو إسحاق وقال فيه ما قال . ومن الأمر الطبيعي الذي لا بدّ منه ، ولا وعى عنه ، أن يلتقى الحرفان الصحيحان فيسكن الأوّل منهما في الإدراج ، فلا يكون حينئذ بدّ من الإدغام ، متصلين كانا أو منفصلين . فالمتصلان نحو قولك : شدّ ، وصبّ ، وحلّ ؛ فالإدغام واجب لا محالة ، ولا يوجدك اللفظ به بدا منه . والمنفصلان نحو قولك : خذ ذاك ، ودع عامرا . فإن قلت : فقد أقدر أن أقول : شدد ، وحلل ، فلا أدغم ، قيل : متى تجشّمت ذلك وقفت على الحرف الأوّل وقفة ما ، وكلامنا إنما هو على الوصل . فأما قراءة عاصم : وَقِيلَ مَنْ راقٍ " 4 " [ القيامة : 27 ] ببيان النون من " من " ، فمعيب في الإعراب ، معيف في الأسماع ، وذلك أن النون الساكنة لا توقّف في وجوب ادّغامها في الراء ، نحو : من رأيت ، ومن رآك ؛ فإن كان ارتكب ذلك ووقف على النون صحيحة غير مدغمة ، لينبّه به على انفصال المبتدأ من خبره فغير مرضىّ أيضا ؛ ألا ترى إلى قول عدىّ :

--> ( 1 ) يقال : ناقة بلو سفر وبلى سفر : أبلاها السفر . ( 2 ) العذى : قلبت الواو ياء لضعف الساكن كما قالوا صبية ، وقد قيل إنه ياء والعذى ، بتسكين الذال : الزرع الذي لا يسقى إلا من ماء المطر لبعده عن المياه . اللسان ( عذا ) . ( 3 ) يقال : ناقة عليان أي عالية مشرفة . ( 4 ) وأظهر عاصم وتبعه حفص النون في قوله تعالى : مَنْ راقٍ واللام في قوله : بَلْ رانَ لئلا يشبه مرّاق وهو بائع المرقة ، وبرّان مثنى بر . وانظر القرطبي ص 6903 ط الريان ، والمحيط في تفسير سورة القيامة .